معاني القرآن للفراء

الفراء القرن الثالث الهجري
Share Add Enterpreta

page 1

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ١

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٢

قوله تعالى : { الْحَمْدُ للَّهِ . . . }
اجتمع القرّاء على رفع " الحمد " . وأما أهل البَدْو فمنهم من يقول : " الحمدَ لِلّه " . ومنهم من يقول : " الحمدِ لِلّه " . ومنهم من يقول : " الحمدُ لُلّهِ " فيرفع الدال واللام .
فأما مَن نَصب فإنه يقول : " الحمد " ليس باسم إنما هو مَصْدر ؛ يجوز لقائله أن يقول : أحمد اللّه ، فإذا صَلح مكان المصدر ( فَعل أو يَفْعل ) جاز فيه النصب ؛ من ذلك قول اللّه تبارك وتعالى : { فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ } يصلح مكانها في مثله من الكلام أن يقول : فاضربوا الرقاب . ومن ذلك قوله : { مَعَاذَ اللَّهِ أَن نأخذ إِلاَّ مَن وَجَدْنا مَتَاعَنا عِندَهُ } ؛ يصلح أن تقول في مثله من الكلام : نعوذ باللّه . ومنه قول العرب : سَقْياً لكَ ، ورَعْياً لك ؛ يجوز مكانه : سقاك الله ، ورعاك الله .
وأما من خفض الدال من " الحمدِ " فإنه قال : هذه كلمة كثرت على ألسن العرب حتى صارت كالاسم الواحد ؛ فثقُل عليهم أن يجتمع في اسم واحد من كلامهم ضَمّةٌ بعدها كسرة ، أو كَسْرَةٌ بعدها ضَمّة ، ووجدوا الكسرتين قد تجتمعان في الاسم الواحد مثل إِبِل ؛ فكسروا الدال ليكون على المثال من أسمائهم .
وأما الذين رفعوا الّلام فإنهم أرادوا المثال الأكثر من أسماء العرب الذي يجتمع فيه الضمتان ؛ مثلُ : الحُلُم والعُقُب .
ولا تُنْكرنّ أن يجعل الكلمتان كالواحدة إذا كَثُر بهما الكلام . ومن ذلك قول العرب : " بِأَبَا " إنما هو " بِأَبِى " الياء من المتكلم ليست من الأب ؛ فلما كَثُرَ بهما الكلام توهّموا أنهما حرف واحد فصيّروها ألفا ليكون على مثال : حُبْلَى وسَكْرَى ؛ وما أشبهه من كلام العرب . أنشدني أبو ثَرْوان :
قال الجوارِى ما ذَهَبْتَ مَذْهَبَا *** وعِبْنَنِي ولم أكنْ مُعَيِّبَا
هل أنتَ إلا ذاهبٌ لِتلْعَبَا *** أرَيْتَ إنْ أعطِيتَ نَهْداً كَعْثَبَا
أذاك أم نُعطيكَ هَيْدًا هَيْدَبَا *** أَبْرَدَ في الظَّلماء من مَسِّ الصَّبَا
فقلتُ : لا ، بل ذا كما يا بِيَبَا *** أجدرُ ألاّ تَفْضَحا وتَحْرَبَا
" هل أنتَ إلاّ ذاهبٌ لتلْعَبَا " ذهب ب " هل " إلى معنى " ما " .

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ٣

مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ٤

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ٥

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ٦

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ٧

( عَلَيْهُم ) و ( عَلَيْهِم ) وهما لغتان ؛ لكل لغة مذهبٌ في العربية .
فأما من رفع الهاء فإنه يقول : أصلها رفعٌ في نصبها وخفضها ورفعها ؛ فأما الرفع فقولهم : " هُم قالوا ذاك " ، في الابتداء ؛ ألا ترى أنها مرفوعة لا يجوز فتحها ولا كسرها ؛ والنصب في قولك : " ضَرَبَهُم " مرفوعة لا يجوز فتحها ولا كسرها ؛ فتركت في " عليهمُ " على جهتها الأولى .
وأما من قال : " عليهِم " فإنه استثقل الضمّة في الهاء وقبلها ياء ساكنة ، فقال : " عليهِم " لكثرة دَور المكنىّ في الكلام . وكذلك يفعلون بها إذا اتصلت بحرف مكسور مثل " بِهِم " و " بِهُم " ، يجوز فيه الوجهان مع الكسرة والياء الساكنة . ولا تبال أن تكون الياء مفتوحا ما قبلها أو مكسورا ؛ فإذا انفتح ما قبل الياء فصارت ألفاً في اللفظ لم يُجْز في " هم " إلا الرفع ؛ مثل قوله تبارك وتعالى : { وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِِّ } ولا يجوز : " مَوْلاهِم الحقِّ " ، وقوله { فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } لا يجوز " فبِهُداهِم اقْتَدهْ " .
ومثله مما قالوا فيه بالوجهين إذا وليته ياء ساكنة أو كسرة ، قوله : { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ } و{ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً } يجوز رفع الألف من " أمّ " و " أمها " وكسرها في الحرفين جميعا لمكان الياء . والكسرة مثل قوله تبارك وتعالى : { فَلأُمِّهِ السُّدُسُ } ، وقول من رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : " أُوصي امرأً بِأمّه " . فمن رفع قال : الرفع هو الأصل في الأمّ والأمّهات . ومن كسر قال : هي كثيرة المجرى في الكلام ؛ فاستثقل ضمةً قبلها ياء ساكنة أو كسرة . وإنما يجوز كسر ألف " أمّ " إذا وليها كسرة أو ياء ؛ فإذا انفتح ما قبلها فقلت : فلان عند أمّه ، لم يجز أن تقول : عند إمّه ، وكذلك إِذا كان ما قبلها حرفا مضموما لم يجز كسرها ؛ فتقول : اتّبعتُ أمّه ، ولا يجوز الكسر .
وكذلك إذا كان ما قبلها حرفا مجزوما لم يكن في الأمّ إلا ضم الألف ؛ كقولك : من أُمّه ، وعن أُمّه . ألا ترى أنك تقول : عنهُم ومِنهُم ( واضربهُم ) . ولا تقول : عنهِم ولا مِنهِم ، ولا اضِربهِم . فكل موضع حَسُن فيه كسر الهاء مثل قولهم : فيهم وأشباهها ، جاز فيه كسر الألف من " أمّ " وهي قياسها . ولا يجوز أن تقول : كتب إلى إِمّه ولا على إِمّه ؛ لأن الذي قبلها ألف في اللفظ وإنما هي ياء في الكتاب : " إلى " و " على " . وكذلك : قد طالت يدا أُمه بالخير . ولا يجوز أن تقول : يدا إِمّه . فإن قلت : جلس بين يَدي أَمِّه ؛ جاز كسرها وضمها لأن الذي قبلها ياء . ومن ذلك أن تقول : هم ضاربو أُمّهاتهم ؛ برفع الألف لا يكون غيره . وتقول : ما هم بضاربي أُمّهاتهم وإِمّهاتهم ؛ يجوز الوجهان جميعا لمكان الياء . ولا تُبال أن يكون ما قبل ألف " أمّ " موصولا بها أو منقطعا منها ؛ والوجهان يجوزان فيه ؛ تقول : هذهِ أمّ زيد وإِمُّ زيد . وإذا ابتدأتها لم تكن إلا مرفوعة ، كم كانت " هُم " لا تكون إلا مرفوعة في الابتداء ، فأما " هم " فلا تكسر إلا مع حرف يتصل بها لا يفرق بينه وبينها مثل " بِهِم " .
وقوله تعالى : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم . . . }
بخفض " غيرِ " لأنها نعت للذين ، لا للهاء والميم من " عليهم " . وإنما جاز أن تكون " غير " نعتاً لمعرفة ؛ لأنها قد أضيفت إلى اسم فيه ألف ولام ، وليس بمصمودٍ له ولا الأوّل أيضا بمصمود له ، وهي في الكلام بمنزلة قولك : لا أمرّ إلا بالصادق غيرِ الكاذب ؛ كأنك تريد بمن يصدق ولا يكذب . ولا يجوز أن تقول : مررت بعبد الله غيرِ الظريفِ إلا على التكرير ؛ لأن عبد الله مُوَقّت ، و " غير " في مذهبِ نكرةٍ غير موقتة ، ولا تكون نعتا إلا لمعرفة غير موقتة . والنصب جائز في " غير " تجعله قطعا من " عليهم " . وقد يجوز أن تجعل " الذين " قبلها في موضع توقيت ، وتخفض " غيرِ " على التكرير : " صراط غيرِ المغضوب عليهم " .
وأما قوله تعالى : { وَلاَ الضَّالِّينَ . . . }
فإن معنى " غير " معنى " لا " فلذلك رُدّت عليها " ولا " . هذا كما تقول : فلان غير محسن ولا مُجْمِل ؛ فإِذا كانت " غير " بمعنى سوى لم يجز أن تُكَرَّ عليها " لا " ؛ ألا ترى أنه لا يجوز : عندي سوى عبد الله ولا زيد .
وقد قال بعض من لا يعرف العربية : إن معنى " غير " في " الحمد " معنى " سوى " ، وإن " لا " صلة في الكلام ، واحتجَّ بقول الشاعر :
*** في بئرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ***
وهذا [ غير ] جائز ؛ لأن المعنى وقع على ما لا يتبين فيه عمله ، فهو جَحْد محض . وإنما يجوز أن تجعل " لا " صلة إذا اتصلت بَجحْد قبلها ؛ مثل قوله :
ما كان يرضى رسولُ اللهِ دينَهم *** والطيِّبان أبو بكر ولا عمرُ
فجعل " لا " صلة لمكان الجحد الذي في أوّل الكلام ؛ هذا التفسير أوضح ؛ أراد في بئر لا حور ، " لا " الصحيحة في الجحد ؛ لأنه أراد في : بئر ماء لا يُحير عليه شيئاً ؛ كأنك قلت : إلى غير رشد توجه وما درى . والعرب تقول : طحنت الطاحنةُ فما أحارت شيئا ؛ أي لم يتبين لها أثر عمل .